فوزي آل سيف
82
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
إن كان شيئًا فعسى هو إذًا سحر يؤثر، فقرأ):فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ)[225] قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. وقوله: (ثُمَّ أدبَرَ واستَكبَرَ)[226] يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق.[227] وكان من الطبيعي ألّا يصدق النبي ودعوته إذ كان يرى نفسه عظيم مكة الذي لو كان مقرَّرًا أن ينزل وحي على أحد فيها فلن يتخطاه! أو يتخطى عظيم ثقيف في الطائف! أما أن ينزل على رجل يتيم لا مال له ولا زعامة فهذا ما لا يكون. ومات هذا الرجل بعد كفاية الله لنبيه إياه، وسائر المستهزئين المشركين، بميتات لا يتمنونها! هذا هو الجد، وأما الوالد فهو خالد بن الوليد القائد العسكري، الذي حالف السيف والقتال، وتأخر إسلامه إلى قبيل فتح مكة بينما يذكر المؤرخون له موقفًا مميزًا في صف المشركين في غزوة أحُد، حيث التف بجيشهم واستغل غفلة الرماة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وقاد هجومًا قاسيًا على المسلمين! وعندما أسلم لم يعرف له موقف مميز في صف أهل البيت عليهم السلام، بل تتحدث الأخبار عن أنه دخل في نزاع مع أمير المؤمنين علي عليه السلام عندما أرسله النبي صلى الله عليه وآله إلى اليمن بعد ارسال خالد إليها وعدم دخول أهلها الإسلام[228]، وبعد ذلك حدثت له حادثة تبرأ النبي صلى الله عليه وآله من فعله فيها حيث تعجل وأخذ يقتل أشخاصاً كانوا يريدون الإسلام[229]، وباستثناء هذه الحوادث وهي في سنوات قليلة من معاصرته للنبي صلى الله عليه وآله ، من الواضح أنه لم تكن مواقفه متناغمة مع ما كان يريده النبي صلى الله عليه وآله سواء في الموقف من الوصي أو في استعمال طريق التوثق والتأكد قبل القتل، وغير ذلك نجد غياباً لأخباره ولا ندري ما هو السبب باستثناء مشاركات عسكرية في معارك كمعركة مؤتة - يختلف في تحليل دوافعها الباحثون - لكنه يظهر بعد ذلك في عمل لم يتحمله أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ممن هم على منهاج الوصي، بل حتى مثل الخليفة عمر بن الخطاب في قضية خالد المشهورة[230]مع مالك بن نويرة وقومه، وما فعل مع زوجة مالك على أثر ذلك. فإنّ ما حدث كان فضيحة بكل المقاييس لخط الخلافة، ولهذا طالب عمرُ أبا بكر الخليفة أن يقيم عليه الحد،[231]أو على الأقل أن يعزله عن قيادة الجيش، ولما لم يفعل الخليفة الأول لأسباب غير معلومة حيث أن فكرة التأول والخطأ ليست مقنعة! كما أن الكلام عن أن لله سيفًا لا ينبغي أن يُغمد، خاطئة تماماً تعتمد على أن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت الوسيلة خاطئة بل مخالفة للأهداف الإسلامية، لما لم
--> 225 ) سورة المدثر، الآية 21-22 226 ) سورة المدثر، الآية 23 227 ) الطبري، أبو جعفر: تفسير الطبري (جامع البيان) ت شاكر ٢٤/٢٥ 228 ) الترمذي، محمد بن عيسى: سنن الترمذي ت بشار ٣/٢٥٩.. أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله بَعَثَ جَيشَينِ وأمَّرَ عَلى أحَدِهِما عَلِيَّ بنَ أبِي طالِبٍ، وعَلى الآخَرِ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ، فَقالَ: إذا كانَ القِتالُ فَعَلِيٌّ، قالَ: فافتَتَحَ عَلِيٌّ حِصنًا فَأخَذَ مِنهُ جارِيَةً، فَكَتَبَ مَعِي خالِدُ بنُ الوَلِيدِ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله يَشِي بِهِ، فَقَدِمتُ عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله، فَقَرَأ الكِتابَ، فَتَغَيَّرَ لَونُهُ، ثُمَّ قالَ: ما تَرى فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، قالَ: قُلتُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِ اللهِ، وغَضَبِ رَسُولِهِ، وإنَّما أنا رَسُولٌ، فَسَكَتَ. قَولُهُ: يَشِي بِهِ، يَعنِي: النَّمِيمَةَ. 229 ) الصنعاني؛ عبد الرزاق: مصنف عبد الرزاق ١٠/١٧٤ بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله خالِدَ بنَ الوَلِيدِ إلى بَنِي - أحسَبُهُ قالَ - جَذِيمَةَ فَدَعاهُم إلى الإسلام، فَلَم يُحسِنُوا، يَقُولُوا: أسلَمنا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأنا صَبَأنا، فَجَعَلَ خالِدٌ قَتلًا وأسرًا، قالَ: ودَفَعَ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا أسِيرًا، حَتّى إذا كانَ يَومًا، أمَرَنا خالِدٌ أن يَقتُلَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا أسِيرَهُ، قالَ ابنُ عُمَرَ، قُلتُ: واللَّهِ لا أقتُلُ أسِيرِي، ولا يَقتُلُ رَجُلٌ مِن أصحابِي أسِيرَهُ، فَقَدِمنا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَ خالِدٍ فَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله ورَفَعَ يَدَيهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أبرَأُ إلَيكَ مِمّا صَنَعَ خالِدٌ اللَّهُمَّ إنِّي أبرَأُ إلَيكَ مِمّا صَنَعَ خالِدٌ» وكذلك ذكره النسائي وغيره ممن تعرض لهذا الموضوع. 230 ) تعرضنا لها ولمصادرها في كتابنا رجال حول أهل البيت ج 1 عند الحديث عن الصحابي الجليل مالك بن نويرة اليربوعي التميمي. 231 ) ابن سعد: الطبقات الكبرى - متمم الصحابة - الطبقة الرابعة ١/٥٣٥ «بَلَغَ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ قَتلُهُ مالِكَ بنَ نُوَيرَةَ وتَزَوُّجُهُ امرَأتَهُ، فَقالَ لِأبِي بَكرٍ: إنَّهُ قَد زَنى، فارجُمهُ. فَقالَ أبُو بَكرٍ: ما كُنتُ لِأرجُمَهُ، تَأوَّلَ فَأخطَأ. قالَ: فَإنَّهُ قَد قَتَلَ مُسلِمًا، فاقتُلهُ. قالَ: ما كُنتُ لِأقتُلَهُ بِهِ، تَأوَّلَ فَأخطَأ. قالَ: فاعزِلهُ، قالَ: ما كُنتُ لِأُشِيمَ سَيفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَيهِم أبَدًا»!